المقدمة

علم المناعة هو أحد فروع العلوم الطبية-الحيوية الذي يدرس بنية ووظيفة وتنظيم الجهاز المناعي، وهو منظومة الدفاع المعقّدة في الجسم والمسؤولة عن التعرّف على المواد الغريبة والقضاء عليها، مثل الكائنات الدقيقة، والسموم، والخلايا الورمية. كما يدرس كيفية تمييز الجسم بين “الذات” و“غير الذات”، وآليات تواصل الخلايا المناعية عبر السيتوكينات والمستقبلات، وكيفية تنشيط الاستجابات المناعية وتنظيمها وإنهائها.

يُعد فهم علم المناعة أمرًا أساسيًا للوقاية من العديد من الأمراض وتشخيصها وعلاجها، بما في ذلك الأمراض المعدية، وأمراض المناعة الذاتية، والحساسية، والأورام، وحالات نقص المناعة. وقد أدت التطورات في علم المناعة إلى ابتكار اللقاحات، والأجسام المضادة وحيدة النسيلة، ومثبطات نقاط التفتيش المناعية، وأدوات التشخيص الجزيئي، مما أحدث ثورة حقيقية في الطب الحديث.

تاريخ علم المناعة

بدأ علم المناعة بملاحظات تتعلق باكتساب مقاومة ضد الأمراض، ويمكن تقسيم تطوره التاريخي إلى محطات رئيسية:

  • الملاحظات القديمة: في القرن الخامس قبل الميلاد، لاحظ مؤرخون مثل ثوسيديدس أن الناجين من أوبئة الطاعون لا يُصابون بالمرض مرة أخرى، في إشارة مبكرة إلى مفهوم الذاكرة المناعية.
  • القرنان السابع عشر والثامن عشر: قام إدوارد جينر عام 1796 بتطوير أول لقاح باستخدام جدري البقر للوقاية من الجدري، وهو أول تطبيق عملي لمبادئ المناعة.
  • القرن التاسع عشر: وسّع لويس باستور مفهوم جينر من خلال تطوير لقاحات ضد داء الكلب والجمرة الخبيثة والكوليرا. كما اكتشف إيلي متشنيكوف عام 1883 عملية البلعمة، مؤسسًا النظرية الخلوية للمناعة.
  • بداية القرن العشرين: اقترح بول إيرليش نظرية السلسلة الجانبية، التي أدت إلى تطور النظرية الخلطية لتكوين الأجسام المضادة. كما اكتشف كارل لاندشتاينر فصائل الدم، رابطًا علم المناعة بطب نقل الدم.
  • منتصف القرن العشرين: أدى اكتشاف بنية الغلوبولينات المناعية، وتفاعلات المستضد–الضد، ودور الخلايا اللمفاوية إلى إرساء أسس علم المناعة الحديث.
  • أواخر القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين: شهدت مجالات المناعة الجزيئية، والمناعة الوراثية، والمناعة التشخيصية، والعلاج المناعي تطورًا سريعًا، مع إنجازات كبرى مثل إنتاج الأجسام المضادة وحيدة النسيلة (كولر وميلستين، 1975)، وعلم السيتوكينات، وتطوير علاجات نقاط التفتيش المناعية للأورام.

تصنيف علم المناعة

يمكن تقسيم علم المناعة بشكل عام إلى ثلاثة مجالات رئيسية: علم المناعة الأساسي (Fundamental/Basic)، وعلم المناعة التشخيصي، وعلم المناعة الإكلينيكي (السريري)، ولكل مجال تطبيقاته وتخصصاته الفرعية.

أ. علم المناعة الأساسي (Fundamental / Basic Immunology)

يركّز هذا الفرع على الفهم الآلي للجهاز المناعي على المستويات الخلوية والجزيئية والوراثية، ويُعد الأساس الذي تقوم عليه جميع الفروع التطبيقية.

أهم التخصصات الفرعية:

  1. المناعة الخلوية: دراسة الخلايا المناعية مثل الخلايا التائية والبائية، والبالعات، والخلايا المتغصنة، والخلايا القاتلة الطبيعية، بما في ذلك تنشيطها وإشاراتها ووظائفها التنفيذية.
  2. المناعة الجزيئية: دراسة الجزيئات المشاركة في التعرف المناعي والتواصل الخلوي، مثل الأجسام المضادة، والسيتوكينات، وبروتينات المتممة، والمستقبلات (مثل TCR وBCR).
  3. المناعة الوراثية: دراسة التنظيم الجيني للاستجابات المناعية، بما في ذلك معقد التوافق النسيجي الرئيسي (MHC/HLA)، وإعادة ترتيب جينات الغلوبولينات المناعية، والتعددات الجينية المرتبطة بالقابلية للإصابة بالأمراض.
  4. المناعة التطورية: دراسة تطور الجهاز المناعي من المرحلة الجنينية حتى البلوغ، بما في ذلك الانتقاء التيموسي والتحمّل المناعي.
  5. المناعة التطورية والمقارنة: مقارنة الأجهزة المناعية بين الأنواع المختلفة لفهم التطور المشترك لآليات الدفاع المناعي.

ب. علم المناعة التشخيصي الإكلينيكي

وهو الفرع التطبيقي المخبري الذي يستخدم مبادئ وتقنيات علم المناعة للكشف عن الاستجابات المناعية وقياسها وتفسيرها لأغراض التشخيص، والتنبؤ بسير المرض، والمتابعة العلاجية.

أهم الفروع والتطبيقات:

  1. تشخيص أمراض المناعة الذاتية: الكشف عن الأجسام المضادة الذاتية (مثل ANA، وanti-dsDNA، وANCA، وanti-CCP، وASMA) لتشخيص أمراض مثل الذئبة الحمراء، والتهاب المفاصل الروماتويدي، والتهابات الأوعية، والتهاب الكبد المناعي الذاتي.
  2. اختبارات الحساسية وفرط التحسس: قياس IgE الكلي والنوعي، واختبارات تنشيط الخلايا القاعدية، والتشخيص القائم على المكوّنات.
  3. مناعة الأمراض المعدية: الكشف عن الأجسام المضادة أو المستضدات النوعية للعوامل الممرِضة باستخدام الاختبارات المصلية والجزيئية (مثل HIV، وHBV، وTB-Gold IGRA، وCOVID-19).
  4. مناعة الأورام: الكشف عن المستضدات الورمية، وجزيئات نقاط التفتيش المناعية، ومراقبة الاستجابة للعلاج المناعي.
  5. تشخيص حالات نقص المناعة: قياس الغلوبولينات المناعية، ونشاط المتممة، وتعداد الأنماط الفرعية للخلايا اللمفاوية، والاختبارات الوظيفية لاضطرابات الخلايا التائية والبائية أو البالعات.
  6. مناعة زراعة الأعضاء: اختبارات التوافق النسيجي، وتحديد HLA، وفحوص الأجسام المضادة لتوافق المتبرع والمتلقي.

الاختبارات المناعية الشائعة:
ELISA، وCLIA، والتدفق الخلوي، واللطخة المناعية، والاختبارات المتعددة، والتألق المناعي، وأنظمة القياس الكيميائي الضيائي.

ويُعد الاستشاري في علم المناعة التشخيصي الإكلينيكي حلقة وصل محورية بين علم المناعة الأساسي، وخدمات المختبر التشخيصي، والممارسة السريرية، حيث يترجم النتائج المناعية المعقّدة إلى دلالات سريرية واضحة تدعم التشخيص الدقيق، وإدارة المرضى، واتخاذ القرارات العلاجية المبنية على الدليل العلمي.

ج. علم المناعة الإكلينيكي (Clinical Immunology)

يركّز على تطبيق المعرفة المناعية في رعاية المرضى وتشخيص الأمراض المناعية وعلاجها ومتابعتها.

أهم التخصصات الفرعية:

  1. أمراض المناعة الذاتية: فهم الآليات المناعية في أمراض مثل الذئبة، والتهاب المفاصل الروماتويدي، والتهاب الكبد المناعي الذاتي، والسكري من النوع الأول، وتوجيه العلاج المثبط للمناعة.
  2. الحساسية وفرط التحسس الإكلينيكي: التقييم السريري والعلاج المناعي للربو، والتهاب الأنف التحسسي، وحساسية الطعام والأدوية.
  3. نقص المناعة الإكلينيكي: تشخيص وعلاج حالات نقص المناعة الأولية (الوراثية) والثانوية (المكتسبة) مثل SCID أو الإيدز.
  4. طب زراعة الأعضاء: المراقبة المناعية لرفض الطُعم، والتحمّل المناعي، وأنظمة التثبيط المناعي.
  5. المناعة والأورام: تطبيق العلاجات المناعية في السرطان مثل مثبطات نقاط التفتيش المناعية وعلاج CAR-T.
  6. مناعة الأمراض المعدية واللقاحات: دراسة تفاعل العائل مع العوامل الممرِضة وتطوير اللقاحات وتقييم فعاليتها.

ويقوم الاستشاري في المناعة الإكلينيكية بربط النتائج المخبرية بالتفسير السريري، وتقديم توجيه شامل في التشخيص والعلاج المناعي.

 الخلاصة

تطوّر علم المناعة من ملاحظات بسيطة حول مقاومة الأمراض إلى علم متقدّم يجمع بين علم الخلية، والوراثة الجزيئية، والطب السريري. وتشكل المجالات الثلاثة — المناعة الأساسية، والتشخيصية، والإكلينيكية — إطارًا متكاملًا ومترابطًا:
فالمناعة الأساسية توفّر الأساس النظري، والمناعة التشخيصية تطبّق التقنيات المخبرية المتقدمة للكشف عن الاضطرابات المناعية، بينما تترجم المناعة الإكلينيكية هذه المعارف إلى رعاية صحية فعّالة للمرضى.

ويمثل علم المناعة اليوم أحد أكثر المجالات ديناميكية وتداخلًا في الطب الحديث القائم على الدليل العلمي.

بقلم:
الأستاذ الدكتور جميل المغلس
أستاذ علم المناعة الطبية
استشاري المناعة التشخيصية الإكلينيكي

ديسمبر 2026 ©

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *